آخر تحديث: 09:24 مساءً -الثلاثاء 25 فبراير-شباط 2020
الكاتب/عارف ابو حاتم
طباعة المقال طباعة المقال
RSS Feed الكتابات
RSS Feed
الكاتب/عارف ابو حاتم
الدبلوماسية وإدارة ملف الحرب اليمنية
قبل أن ينفجر اليمن!
ما لن تنساه الذاكرة العدنية
تدمير الجيش اليمني.. مسؤولية من؟
بنعمر.. المبعوث الغامض
عن المخارج الاضطرارية للأزمة اليمنية
دفاعاً عن ملوك سبأ
أين صوت الآخر..؟!
عن السياسة المائية الغائبة
إفراغ الدولة من مضمونها

بحث

  
"موسم الهجرة إلى الشمال"
بقلم/ الكاتب/عارف ابو حاتم
نشر منذ: 4 سنوات و 11 شهراً و 23 يوماً
الثلاثاء 03 مارس - آذار 2015 06:31 م

أحاول دائماً أن أصنع ردّة فعل تكون طوقاً من هذا الاختناق السياسي وأن أنجو من رائحة البارود المتطايرة من كل مكان، فالأفق السياسي في هذا البلد تحوّل إلى سديم خانق، ورائحة الحرب تسبح في المكان كرائحة شواء تحملها الرياح، ولابد من اصطناع بوابات خروج اضطرارية لننقذ أنفسنا مما نحن فيه، وننسى لبضع ساعات هذه الفجائع المتتالية. 
كان لابد من التوقف عن متابعة الأخبار السياسية، فقد مللت خيانات الأحزاب، خاصة اليسارية، مللت من تجّار الدين، ومن جماعات العنف التي تحرّر اليمن من اليمنيين وتسلّمه إلى الصفويين، سأمت من هدوء هادي ومراوغة صالح، ولابد من الهجرة إلى الرواية وجعلها رئة نتنفّس منها الأمل. 
هاجرت إلى العملاق السوداني الطيّب صالح في رائعته “موسم الهجرة إلى الشمال” تلبستني شخصية “مصطفى سعيد” الطفل اليتيم الذي امتلك عقلاً أحدّ من خنجر، كيف احتضنه الانجليز من مشرّد في شارع وألحقوه بمدارسهم بالسودان ثم القاهرة ليختتم التعليم الجامعي والدكتوراه في لندن ويصبح أعظم فلاسفة الاقتصاد في جامعة اكسفورد. 
كانت شُهرة “مصطفى سعيد” تسبق حضوره، وفي حين كان الانجليز يرون فيه نموذجاً لدورهم العظيم في بلاد الشرق وكيف حوّلوه من طفل مشرّد إلى فيلسوف في الاقتصاد؛ كان يرى هو أنهم منحوه هذا التعليم ليغسلوا به سوءاتهم ويجعلوه الشجرة التي تحجب الغابة، ويضعوه ستارة تغطّي قبح جرائمهم واستنزافهم لخيرات الشعوب، وتأخذه تقلّبات الحيرة بين فيلسوف في الاقتصاد بأرقى الجامعات وينتمي إلى بلد أكثر من ثلثيها أمّيين..!!. 
“مصطفى” الذي هاجر به المؤلّف الروائي إلى لندن في عشرينيات القرن الماضي كان محرقة نساء، له رغبات جنسية أشدُّ حدّة من عقله الذي يتشرّب العلم كما تتشرّب اسفنجة الماء، كان زير نساء بامتياز، وما من فتاة أو سيّدة اشتهاها إلا وأدهش عقلها وأصاب قلبها بصدمات عاطفية لها فعل مخدر. 
أسمر، أنيق المظهر، طيب الرائحة، له لسان يسحر العقول وعينان جذّابتان، كان يأخذهن إلى شقته الأنيقة والمرتّبة بعناية، يتمرّغن فيها تحت روائح العود والصندل المحروق، ويتحوّلن تحت فحولته الاستثنائية إلى قطط أليفة. 
وكانت النتيجة أن أربع منهن انتحرنَّ، وفي قاعة المحكمة كان يجيب عن كل سؤال بـ«نعم» طمعاً في الذهاب إلى السجن ليستريح من ضجيج الحياة الذي لا ينتهي، وبعد عقوبة 7 سنوات، عاد إلى السودان بسر مبهم ليتزوّج “حسنة” بصفته الفلاح الطيب القلب، ويختفي عند فيضان النيل، بمصير مجهول بين الغرق والقتل والهرب. 
ويترك “حسنة” وولديها وذئاب الرجال تحوم حولها طمعاً في ثروتها وجمالها، لكنها قاومت الإغراء بالذكريات، حتى قتلت نفسها بعد أن قتلت العجوز الذي تزوّجها بالقوّة. 
ترك “مصطفى سعيد” مكتبة غامضة وأنيقة في بيته؛ تركها للراوي ليكتشف فيها كنوزاً من الكتب الانجليزية والرسائل والصور مع فتيات نهر التايمز البريطاني، لكل واحدة منهن رائحة وذكرى تفوح من صورتها كرائحة الصندل المحروق. 
في السودان؛ على ضفاف النيل حيث كانت “بنت مجذوب” امرأة السبعين تشرب الخمرة وتدخّن وتجلس مع الرجال يتحدّثون عن المسكوت عنه بكلمات لا تحتاج إلى تورية أو حشمة “بنت مجذوب” التي قالت إن أحد أزواجها واسمه “ود البشير” كان يرفع رجليها بعد العشاء ولا ينزلهما إلا قبل الفجر؛ هي نفسها التي قالت إن “حسنة” أرملة “مصطفى سعيد” فعلت ما يخجل الإنسان عن ذكره، وهو أنها رفضت الزواج من عجوز مراهق تجاوز السبعين، في مثل هذه المجتمعات تنمو الكراهية، وتنتقص قيمة المرأة، وتدمّر الحياة، حيث لا صوت يعلو فوق صوت الفعل المذكّر، ولا حضور للمرأة إلا باعتبارها مفعولاً بها. 
خرجتُ من رواية الطيب صالح بتلك الحيرة التي سبقني إليها الكثيرون؛ أيُعقل أن يكون هذا العمل الخالد هو أول أعمال هذا العملاق السوداني..؟!. 
arefabuhatem@hotmail.com 
تعليقات:
الإخوة / متصفحي موقع صوت سبأ نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز ??? ??????? حرف سوف لن يتم إعتماده
  • يجب أن تكتب تعليقك خلال أقل من 60 دقيقة من الآن، مالم فلن يتم إعتماده.
اضف تعليقك
اسمك (مطلوب)
عنوان التعليق
المدينة
بريدك الإلكتروني
اضف تعليقك (مطلوب) الأحرف المتاحة: 800
التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع   
عودة إلى الكتابات
الكتابات
استاذ/علي ناجي الرعوي
اليمن بين الحرب والانفصال!!
استاذ/علي ناجي الرعوي
د. يزيد بن محمد بن عبد الله
تهامة التاريخ.. بين صنعاء وعدن
د. يزيد بن محمد بن عبد الله
استاذ/سامي غالب
صنعاء ما عادت عاصمة
استاذ/سامي غالب
استاذ/أحمد عثمان
من أجل إنقاذ اليمن كوجود
استاذ/أحمد عثمان
الكاتب/فتحي أبو النصر
أبعاد الأزمة الوطنية الشاملة
الكاتب/فتحي أبو النصر
استاذ/علي ناجي الرعوي
الاعتراف بالفشل بداية الانفراج...
استاذ/علي ناجي الرعوي
المزيد >>