آخر تحديث: 12:20 صباحاً -السبت 19 أغسطس-آب 2017
بشرى المقطري
طباعة المقال طباعة المقال
بشرى المقطري
أطفال اليمن.. الضحية الأولى للحرب
قانون الطوارئ..شريعة الغلبة والحرب في اليمن
حكومة الحرب..الهرولة نحو تفتيت اليمن
التخبط الروسي في اليمن
اليمن.. استئناف الحرب
الأحزاب اليمنية من الفشل الوطني إلى التبعية العسكرية
ضحايا الحرب في اليمن..المعاناة والابتزاز السياسي
تعز..أحلام التحرير وتعقيدات الصراع
اليمن..صناعة الحرب وتجارة السلام
تعقيدات الحرب في اليمن وتحديات المبعوث الأممي

بحث

  
يهود اليمن: من التنكيل إلى التهجير
بقلم/ بشرى المقطري
نشر منذ: سنة و 3 أشهر و 23 يوماً
الثلاثاء 26 إبريل-نيسان 2016 05:20 م

مفارقةٌ محزنةٌ أن يتحوّل الوجود التاريخي ليهود اليمن، وهم من أقدم السكان الأصليين، إلى عبء إشكالي يومي، يحتاج للتبرير، ولم يعد أمامهم من خيار سوى التحول إلى كيانٍ غير مرئي من المجتمع والسلطة السياسية. على مدى قرون، كرّست الأعراف والقوانين حرمان يهود اليمن من مواطنةٍ متساويةٍ مع عموم اليمنيين، وجعلتهم، في النهاية، عرضةً لعزل سياسي وتمايزات اجتماعية واقتصادية حادّة؛ فتحت مسمى "أهل الذمة"، وضع يهود اليمن في دائرة محدّدة، لا يحق لهم تجاوز حدودهم، حيث تحدد بصرامة مختلف أنماط علاقتهم الحياتية مع محيطهم العام. 
تبعاً لمزاج السلطة السياسية في اليمن، وتفهّمها وجودهم، عاش يهود اليمن بين سلامٍ هش ودورات عنف مجتمعية، قد تؤجهها عوامل أخرى خارجية؛ فقد ألقى الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، ثم قيام دولة إسرائيل في خمسينات القرن المنصرم، بظلاله على واقع اليهود العرب، عاصفاً بوجودهم إلى الأبد، ومنهم يهود اليمن الذين تعرّضوا لحملةٍ انتقاميةٍ ممنهجة، شملت القتل والاضطهاد الديني والاجتماعي. أسفرت دورة العنف التي طاولت يهود اليمن عن تهجير أكثر من خمسين ألف يهودي في عملية "بساط الريح" الشهيرة. 
على الرغم من اتساع رقعة العداء ضد يهود اليمن، بعد تنامي المد القومي والتشدّد الديني في المنطقة العربية، فضّلت مئات الأسر اليهودية البقاء في اليمن، إلا أن عملية اقتلاعهم من جذورهم التاريخية استمرت عبر تضييق خيارات الحياة أمامهم وإجبارهم على الهجرة الطوعية من وطنهم. على العكس من طوائف دينية أخرى في البلاد العربية، لم يرتبط يهود اليمن بالعقيدة الصهيونية، ولم يستثمروا مظلوميتهم في الأوساط الدولية، ويقوموا بتدويلها، كما فعلت بعض الطوائف، إلا أن الأنظمة السياسية اليمنية المتعاقبة، بما فيها نظام علي عبدالله صالح، لم تتعاط مع يهود اليمن أقلية دينية يمنية تحتاج حماية الدولة، عبر تكريس حقوقها المدنية، بل استغلت هذه الأنظمة قضيتهم في مساوماتها السياسية مع الولايات المتحدة الأميركية. 
"الفاشية السياسية والدينية التي وسمت سلطة الأمر الواقع لجماعة الحوثي دفعتها إلى الضلوع في علاقات مشبوهةٍ لضمان ترحيل يهود اليمن"
تضاعفت، في العقود الأخيرة، معاناة يهود اليمن بشكل مضطرد، وتزامن تصاعد العنف ضد الطائفة اليهودية اليمنية مع بداية تشظي دولة اليمنيين، وتمزّق الهوية الوطنية، في مقابل نمو جماعاتٍ دينيةٍ أصوليةٍ تستعدي الآخر الديني؛ فشكّل بروز جماعة الحوثي، قوة دينية مسلحة، تتبنى في شعاراتها "لعن اليهود"، تهديداً مباشراً ليهود اليمن، حيث سعت جماعة الحوثي، منذ البداية، إلى مضايقة تجمعات اليهود في مناطقهم الأصلية، واستطاعت، في ظل غياب الدولة المركزية، تهجيرهم بالقوة من منطقة آل سالم في مدينة صعدة ومنطقة "ريدة" في مدينة عمران، وما لبث التهديد المباشر الذي شكلته جماعة الحوثي، ضمن توجهها السياسي والأيديولوجي ضد يهود اليمن، أن تحوّل إلى حرب مفتوحة ضد عموم اليمنيين، بعد إسقاطهم وقوات صالح الدولة اليمنية، حيث أسست جماعة الحوثي سلطةً دينيةً طائفية قامعةً، قوّضت النسيج الاجتماعي لليمنيين، وزعزعت السلم الأهلي، وكثفت سلطة جماعة الحوثي جهودها لتجريف ما تبقى من تجمعات يهود اليمن، وهو ما حمل أسراً يهودية على الهجرة إلى الخارج. 
الفاشية السياسية والدينية التي وسمت سلطة الأمر الواقع لجماعة الحوثي دفعتها إلى الضلوع في علاقات مشبوهةٍ لضمان ترحيل يهود اليمن، فالجماعة العصبوية التي ادّعت، عبر تاريخها، محاربة الكيان الإسرائيلي، والدفاع عن الشعب الفلسطيني، دخلت في علاقاتٍ سرّيةٍ غير مباشرة مع دولة إسرائيل، لغاياتٍ سياسيةٍ عقيمة، حيث قامت جماعة الحوثي بتسهيل عملية تهجير 11 يهودياً يمنياً في 21 مارس/ آذار الماضي، ضمن ترتيباتٍ سريةٍ بين جماعة الحوثي والوكالة اليهودية ودولة وسيطة أخرى لم يكشف عنها، فبحسب الصحف الإسرائيلية التي رصدت وصول هؤلاء، كانت العملية "نتاج تنسيق استخباراتي على مستوى عالٍ مع سلطات صنعاء التي سهّلت عملية ترحيل اليهود". 
لم يهتم يمنيون كثيرون عالقون في الحرب بتفاصيل حدث تاريخي محزن، قد يسدل الستار على وجود أقدم طائفة يهودية في العالم سكنت اليمن، وصاغت جزءاً من تاريخه العام، إذ لم تُثر عملية ترحيل يهود اليمن سوى جدلٍ سياسيٍّ محدود في سياق الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وليس باعتبارها شأناً وطنياً يمنياً، بأبعاده الاجتماعية والإنسانية، استهدف مكوناً أصيلاً من مكونات المجتمع اليمني؛ ما يؤكد على عمق الخلل الذي يعانيه اليمنيون، وكذا حالة البلادة الجمعية التي يعيشونها في ظل الحرب، الأمر الذي دفع جماعة الحوثي إلى التنصل من مسؤوليتها السياسية والأخلاقية، حيال تورّطها في عملية تهجير يهود اليمن، ومحاولتها تأكيد ذلك، باعتقال الحاخام اليمني، يحيى بن يوسف، وأفراد أسرته، متهمة إياه بالمشاركة في تهريب التوراة، فيما تؤكد أسرة الحاخام أن اعتقال جماعة الحوثي له جاء إجراءً عقابياً على رفضه مغادرة اليمن. 
بلا جنحة جنائية تُذكر، عدا تمسّكه بحقه الإنساني في البقاء في وطنه، يقبع الحاخام اليمني، يحيى بن يوسف، منذ أكثر من اسبوعين في سجن مليشيات جماعة الحوثي في مدينة عمران. وعلاوةً على ويلات الحرب في اليمن، وتحيّزات أطراف الصراع فيها، يخوض الحاخام اليهودي حربه الوجودية الخاصة، دفاعاً عن حقه الشخصي، وحق أكثر من خمسين يهودياً يمنياً، هم من تبقى من الطائفة اليهودية في اليمن، حيث رفض هؤلاء الإغراءات السياسية التي قدمتها لهم إسرائيل والوكالة اليهودية لمغادرة اليمن، وتشبثوا بحقهم الإنساني في وطن آبائهم وأجدادهم. 
تصمت منظمات المجتمع المحلي والدولي عن معاناة الحاخام وأفراد الطائفة اليهودية، ويقتصر الصوت المسموع حول الأمر على نداءٍ أطلقته والدة الحاخام، تطالب فيه القوى السياسية اليمنية بالضغط على جماعة الحوثي، للإفراج عنه وعن أفراد عائلته، أو استنكار عدد محدود جداً من النشطاء اليمنيين هذا التنكيل الممنهج، فيما لا ترى الغالبية أهميةً لتحديد موقفٍ ممّا يتعرّض له يهود اليمن، ولا يأبهون لتهجيرهم قسراً من وطنٍ رحل كثيرون من أبنائه، بسبب الحرب، ولم يعدّ يتمسّك بالبقاء فيه إلا الحالمون. 

تعليقات:
الإخوة / متصفحي موقع صوت سبأ نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز 800 حرف سوف لن يتم إعتماده
  • يجب أن تكتب تعليقك خلال أقل من 60 دقيقة من الآن، مالم فلن يتم إعتماده.
اضف تعليقك
اسمك (مطلوب)
عنوان التعليق
المدينة
بريدك الإلكتروني
اضف تعليقك (مطلوب) الأحرف المتاحة: 800
التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع   
عودة إلى الكتابات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
بشرى المقطري
أطفال اليمن.. الضحية الأولى للحرب
بشرى المقطري
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
د.عادل الشجاع
تخيلوا اليمن بدون حوثيين
د.عادل الشجاع
الأكثر قراءة منذ 24 ساعة
خالد الرويشان
دواعش صنعاء
خالد الرويشان
الكتابات
استاذ/محمد جميح
حوثنة المؤتمر الشعبي العام
استاذ/محمد جميح
الكاتب/فتحي أبو النصر
الحوثيون وتكعيف المجتمع
الكاتب/فتحي أبو النصر
بقلم/ ياسين التميمي
جريمة "الحراك" ضد الإنسانية
بقلم/ ياسين التميمي
علي احمد العمراني
هل ما نزال يمنيون جميعا..؟!
علي احمد العمراني
أروى عثمان
الإرهاب العقلي والديني في مدارس اليمن
أروى عثمان
استاذ/محمد جميح
نزع سلاح الحوثي
استاذ/محمد جميح
المزيد >>