مرور الغمامة
استاذ/أحمد عثمان
استاذ/أحمد عثمان
أردت أن أستلقي لآخذ قيلولتي المعتادة بعد الظهر فأخذني نوم خفيف سرعان ما استيقظت على نعاس كان الجو مختلفاً لا أدري لماذا حضرت إليّ أمي العزيزة وروحها الطاهرة، كثيراً ما أذكرها لكن هذه المرة كأن طيفاً حضر لي، وأن رياحها هبّت على طفلها المدلّل لتمسح على رأسه مصحوباً بصوتها الشجي (وا أحمد أني فداء لك).. كانت يقظة نوم أو نوم يقظة استشعرت فيها لحظة غياب أمي، هي لم تعد يا أحمد لقد ماتت منذ سنوات ولم يبقَ إلا أنت توحش المكان والزمان، وكأنها ماتت الساعة فعلاً شعرتُ بشوق وبوحشة وحزن، عاجز عن استعادة يد أمي وكلمة أمي، وحنان أمي، وطلّتها، لقد ماتت وانتهى الأمر.
نهضتُ لأقول لصاحبي: لقد تذكّرت أمي، وأكاد أبكي، وأغالب دموعي، وأنا بالمناسبة بخيل في البكاء.. لم أتمنَ شيئاً سوى أن تعود أمس الغاربة كما هي بأمي، لكن الأيام لا تعود ولها مسار واحد هو الغياب والغروب دون شروق.
 فكل يوم يمضي تموت فيها أنت ويموت فيها بعض منك، عندما أتذكّرها يعود إليّ حسّ الطفولة ويتمها، وأتذكّر وصايا الرسول حول الاهتمام باليتيم ليس فيما يتعلّق بالمأكل والمشرب، فهذا قد يتحصّل في الغالب، لكن بالحنان المفقود ولهذا تحدّث الرسول، صلّى الله عليه وسلم عن فضل المسح على رأس اليتيم وهو هنا ليس مسحاً مجرّداً، بل المعني به والمقصود هو الحنان، لأن «الحنان» هو ما يفقده اليتيم بفقدان أبويه، والحنان عطايا ثمينة لا تُشترى من السوق، ولا تُجلب من بقالة أومزرعة، والذين يعطون اليتيم بعض حاجاتهم باستعلاء لايفعلون شيئاً سوى إثبات قساوتهم وجلافة طبعهم.. الحنان أولاً والحنان أخيراً.
 ما الذي أفعله وأنا عاجز عن استعادة الماضي واستسقاء الغمامة وحنانها؟، لا شيء سوى الدعاء لها ولأبي - رحمهما الله - وهذا واجب ينساه الأبناء مع أنه حق لأبويك، فالإنسان عندما يموت يفقد كل شيء ما عدا «العمل الصالح والصدقة الجارية، أو ولد صالح يدعو له بعد موته».. هذه ثلاثية الربح والبقاء وماعداه سراب في سراب وكأنه لم يكن.
أن تنسى أن تدعو لأبويك فأنت تحرمهما من حقهما الخالد الذي كانا يأملان أن يكون لهما بعد موتهما، كما أنه مؤشر إلى أنك غير صالح، لأنك لو كنت صالحاً لدعوت لهما عند كل صلاة وأنك غير موفق أيضاً.
 أعتقد أن الدعاء للوالدين علامة توفيق ووفاء وصلاح ولا أعتقد أن (عاقاً) يستطيع أن يدعو لهما بعد الموت وقد عصاهما في حياتهما إلا من تاب عليه الله.
 ادعو لأبيك وأمك و «خلّي الهبالة» فأنت تستعيد روحك بهما اللهم اغفر لهما وارحمهما رحمة الأبرار.
 هذا عن من مات والداه، أما من بقيت له أمٌّ أو أبٌ على قيد الحياة فهذه نعمة كبرى، والشقي، الشقي من تمر عليه دون غنيمة وبرّ، أما الأشقى فذاك الذي ينساهما وينهرهما، ويقسو عليهما ويعاملهما كغريبين، أو ثقيلي ظل، يقدّم زوجته وأولاده وأصدقاءه عليهما.
لا أعتقد أن هذا يدرك ما يصنع بنفسه، وما هي الأرباح والفرص التي يفرّط بها، كان صلّى الله عليه وسلم قد تحدّث عن (إن الشقي هو من يدرك أبويه أو أحدهما ولم يدخل الجنة) أو كما قال.
إن وجود الأب والأم فرصة ثمينة، ووجودهما بوابة السعادة والجنة والرضا، ومن العجز والعيب والشقاء أن تفرّط بهما لأنك لن تحصد سوى الخسارة والندم بعد فقدانهما.
ahmedothman6@gmail.com
في الأحد 15 فبراير-شباط 2015 10:52:57 م

تجد هذا المقال في صوت سبأ
http://sautsaba.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://sautsaba.net/articles.php?id=315