ما أشبه الليلة بالبارحة!
خالد الرويشان
خالد الرويشان
ما تزال الدهشة تعقد لساني.. وما يزال طعم الكلمات المرّة يملأ حنجرتي, وأنا أنتهي من صفحات كتاب يجب أن يقرأه كل شاب وشابة في هذه البلاد. ورغم أني كنت قد قرأت الكتاب قبل عشرين عاما على الأقل, إلا أنني أعدت قراءته بشغف قبل أيام, والتهمت صفحاته الأربعمائة خلال ساعات مرّت سريعة, رغم أنها هي الأخرى التَهَمَتْ الليل كلّه!
"من كوبنهاجن إلى صنعاء".. كتابٌ يحكي قصة بعثة علمية دانماركية مكوّنة من ستة أشخاص أرسلها ملك الدنمرك بُعيد منتصف القرن الثامن عشر أي سنة 1761 إلى اليمن أو "العربية السعيدة" كما كان يحب أن يسميها أفراد البعثة وفقا لتسمية قديمة أطلقها الرومان منذ آلاف السنين.
الكتاب ترجمه عن الإنجليزية الأستاذ القدير والوطني الغيور محمد أحمد الرعدي, أحد رجالات التنوير في اليمن النادرين صدقا, ونقاءً, وتجربةً.
قد لا يكون هناك مجال لتفاصيل الرحلة المشؤومة التي غادرت كوبنهاجن في يناير 1761 ولم تعد إلى بلادها إلا في 1767 وفي الواقع أنها لم تعد! إذ أن معظم أفراد البعثة كانوا قد ماتوا مثخنين بالأحزان والآلام بين جبال اليمن وخلجانها! ولم يعد إلى كوبنهاجن سوى "نيبور" الفلكي الشاب, رغم أنهم جميعا كانوا شبابا, فأكبرهم كان في الرابعة والثلاثين, ,وأصغرهم في الثامنة والعشرين.
مئتان وخمسون عاما, مرّت على الرحلة حتى العام 2011, وكانت المناسبة جديرةً بالانتباه! ولكن يبدو أننا ما نزال أمواتا في "مملكةٍ ميتة" حسب تعبير "نيبور" عن اليمن بعد أن تجرّع قسوة جبالها, وجشع حُكّامها وغرائب أهلها!
بين أعضاء البعثة كان ثمّة واحدٌ من أكبر علماء أوروبا وهو السويدي "فورسكال" الذي أُصيب بالملاريا في تعز, ومات به في يريم عن عمر لم يتجاوز الثانية والثلاثين!
ما يزال أبناء تعز واليمن يموتون بالملاريا حتى هذه اللحظة!.. بينما مئات صناديق الأمصال القادمة من أوروبا تفسد تحت لهيب الشمس في موانئنا رغم أنها هبةٌ من المنظمات الدولية! تماما مثلما فعل عامل الإمام على جمرك "المخا" قبل مائتين وخمسين عاما! حين أصرّ على إفراغ كلّ "عيّنات البعثة" من زجاجاتها وأوانيها, ورميها إلى الساحل وهو ما ذبح قلوب أفراد البعثة, وهم يرون جهودهم العلمية تداس على الملأ بلا رويّة, أو شفقة, أو معرفة! والأنكى أن العامل أخذ جزءا من نقودهم حتى يتركهم يغادروا إلى تعز! وبدوره نهب عامل تعز جزءا آخر من أموالهم وأجهزتهم بالابتزاز والتهديد!
في كل سطرٍ من سطور الكتاب كنتُ أعيد اكتشاف البلاد.. ما الذي تغيّر بعد مائتين وخمسين سنة؟
قبل ستين عاما فقط, كان العزيّ صالح السنيدار قد هرب من صنعاء متنكرا بعد فشل ثورة الدستور 48, وقبيل وصوله إلى قرية المحاقرة على بعد عشرين كيلو مترا من صنعاء تقطّع له ثلاثة فضوليين من أبناء القرى المجاورة وفتّشوه ولم يجدوا شيئا! فأخذ أحدهم ساعته, وآخر حذاءه! والثالث لم يجد شيئا, وعندما لَمَحَ أسنان العزي الملبّسة بالذهب أمره بأن يخلعها! فحاولَ العزي أن يخلعها بالفعل, ولم يستطع!.. ولكَ أن تضحك أو تبكي وأنت ترى "المهازرة" بين الفضولي قاطع الطريق وبين العزي صالح رحمه الله, الذي استسلم أخيرا لأصابع الرجل في فمه حتى اقتلع الذهب من أسنانه!
قبل هذه الحادثة بمائتي سنة, جرى البحث عن الذهب بين أسنان عالم سويدي تم دفنه تحت سفوح جبال اليمن, فبعد موت "فورسكال" في مدينة يريم لم يعرف بقية أعضاء البعثة الأحياء كيف يدفنون زميلهم؟ فلا أرض للقبر بين المسلمين, ولا جنازة للميت المسيحي, وتحت جنح الظلام تم دفنه بعيدا, قبل أن يستدعيهم عامل الإمام قائلا: أنا الوارث الوحيد لميتكم, لأنه مات غريبا على أرضي!, وعندما رفضوا أن يعطوه شيئا, قال لهم ابن العامل: اعطوه هدية على الأقل! وكانت المفاجأة أنهم عندما مرّوا صباحا بالقبر مغادرين, رأوا جثمان زميلهم عالم أوروبا الكبير وقد تم نبشه وتفتيش صندوق جثمانه!
عمّال الإمام في المخا , وتعز, ويريم أخذوا معظم أموال ونقود البعثة عنوة ونهبا! بينما كانت أجمل أيام البعثة في اللحيّة, وبيت الفقية, وريمة, حيث لا يوجد عامل ولا حاكم للإمام! رغم أن الإمام نفسه قد استقبل من تبقى من أعضاء البعثة في صنعاء بعد ذلك أحسن استقبال, لكن ما نالهم من عماله ورعيّته كان أسوأ ما يمكن أن يسمع به أو يراه أحد! حتى أسْمَوا اليمن "العربية السعيدة البغيضة" أو "مملكة الأموات".
أتأمل الآن وقائع وأحداث أيامنا التي نعيشها,.. قضايا نهب النفط, والثروة السمكية, والغاز, والديزل, وجرائم طريق الحديدة التي أصبحت حدثا يوميا عاديا! والمؤسسة الاقتصادية وأسرارها! والأموال من الخارج لأحزاب ومشائخ وضباط! فأكتشف أن كل ما حدث ويحدث في اليمن عائدٌ لطمعٍ مُخزٍ يبدو معتّقاً مزروعا في الأوردة والشرايين, وجشعٍ مُزرٍ يبدو تاريخيا مثل إرثٍ لا فكاك منه! حتى لكأنه مصبوبٌ في دماء البعض الذين كأنهم يتناسلون مثل قطط المدينة وفئرانها من مئات السنين!
هل تكفي مياه البحار والمحيطات كي تغسلهم من أدرانهم,.. ومتى يمكن لليمني أن يرفع رأسه شامخا بين الأمم.. أو حتى بين الإخوة.. تعبيرا عن شخصية اليمن الحقيقية, وشموخ جبالها, وعزّة وديانها وكفاح إنسانها؟!
وصَلَ علماء البعثة الدنماركية إلى ساحل تهامة الذي أسعدهم وأكرمهم.. وصلوا مشتاقين لحلمهم الكبير في اكتشاف العربية السعيدة, حتى وطأتْ أقدامهم مدينة المخا, فإذا بهم يفقدون قائد الرحلة, وعندما غادروا المخا إلى الداخل كانوا يغادرون الحياة واحدا بعد الآخر بالقهر والمرض! حتى الطبيب المرافق مرض ومات!
كانوا يلفظون أنفاسهم الأخيرة وعلى شفاههم تمتماتُ تساؤلٍ يجودُ بحروفه الأخيرة مع أنفاسهم المتلاشية.. لماذا سُمّيت هذه البلاد بالعربية السعيدة؟!.


في الأحد 31 يناير-كانون الثاني 2016 07:16:11 م

تجد هذا المقال في صوت سبأ
http://sautsaba.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://sautsaba.net/articles.php?id=475