"البغال" لا تشعر بالإهانة!
الكاتب/فكري قاسم
الكاتب/فكري قاسم
في أوّل التاريخ شقّ التُبع اليماني العظيم، أسعد الكامل، طريق تجارة البخور، وكانت رحلة الشتاء والصيف أوّل سوق للتجارة العالمية. واليوم، يدخل اليمني إلى السعودية تهريب! يااااو والفعلة. ويشترخ راسي نصّين لما اقرأ خبر يقول بأن الد�لة الفلانية، اللي عمر بستان بيت جدّي أكبر من عمرها، تتبرّع لليمن بمائة ألف كيس قمح!
اليمنيّون الذين كانوا أوّل من شقّ طريقاً للملاحة البحرية عبر مضيق باب المندب، وربطوا القرن الأفريقي بالعالم، وأوصلوا الحياة إلى حضارة أكسوم في الحبشة، يهتانوا اليوم كلّ هذه الإهانة، ويحنبوا بقيمة كيس برّ يا أولاد الحرام؟!
تكابر دبي الصحراء بناطحات سحابها، ويكابر الأمريكان والأوربيّون بناطحات سحابهم، واحنا جالسين نتناطح بيننا البين ونخرب ما هو موجود! قبل برج إيفل كانت أعمدة صرح بلقيس؛ وقبل ناطحات سحاب دبي كانت ناطحات مدينة شبام في حضرموت، "منهاتن الصحراء". كان اليمني إبن الحياة، وكانت آلة الدين نفسها– آنذاك- منشغلة بما هو أهمّ من العورات
وبالنظر إلى طبائع الناس والحياة في مدينة صنعاء ومدينة شبام حضرموت، حيث العظمة والأبهة كلّها لشعب عرف الحياة باكراً، سنعرف - وبسهولة - كيف أن إنسان اليمن كان أوّل من بنى حاجة إسمها "مجتمع"، وبنوا في صنعاء القديمة وفي حضرموت وشبام كوكبان ومدينة زبيد مجتمعات متجانسة. البيت لصق البيت، والنافذة لصق النافذة، والبيبان مفتوحة على البيبان، والأزقّة ضاجّة بالحياة وبالحكايا، والمجتمع متعايش ومتآلف وغير منشغل بالتفاهات، ولا بفلان طاقة بيته مفتوحة لابيتي، وفلان يتكشف علينا، وفلانة شعرها يبان، علماً المجتمع، في أبسط تعريف له، يعني الإنتقال من حالة البداوة إلى حالة الحضر، ومن حالة التوحّش إلى حالة الأنسنة والتعايش؟
من يتصوّر، الآن، أن اليمنيّين الذين بنوا في شاهقات الجبال مدرّجات، وحرثوها وزرعوها وشيّدوا السدود والعمران، تبدو الحياة في وجوههم الآن مسدودة، والعالم ينظر إليهم باعتبارهم مجرّد شعب شحّات وقاطع طريق؟
من يتصوّر أن اليمني الذي بنى حضارة سبأ ومعين وحمير وقتبان وأوسان وذو ريدان، يتبهذل الآن في كلّ المطارات لأن اسمه لم يعد يقترن بالحضارة العريقة، بل بات مقروناً بالبارود وبالإرهاب وبمليشيات تعرف غريمها جيّداً، ولكنّها لا تعرف التاريخ؟!
من يتصوّر أن اليمنيّين الذين أسلموا برسالة وساقوا سماحة الإسلام إلى أقاصي الأرض، يتنادفوا اليوم على المآذن، ويجعلون من الله وسيلة للتقتيل، وهذا رافضي وذيّاك ناصبي وهاضاك سني وذيه شيعي، وهات يا قوارح وأحقاد باسم العظيم الرحيم.
كان اليمني إبن الحياة، وكانت آلة الدين نفسها– آنذاك- منشغلة بما هو أهمّ من العورات. الكلّ يعمل ويبني وينتج تاركين للأخلاق وللقانون شأن حلّ كلّ الخلافات الهبلا والكبيرة. والآن، تقوم غارة لو أن فلاناً بس قل لجارتهم: كيف حالك، وعينك ماتشوف إلّا النور! ايييه يادنيا إلى أين أوصلنا البغال.

في الجمعة 30 سبتمبر-أيلول 2016 08:23:53 م

تجد هذا المقال في صوت سبأ
http://sautsaba.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://sautsaba.net/articles.php?id=547