لأزمة اليمنية بين الحل والاحتيال
بشرى المقطري
بشرى المقطري
تواجه الدبلوماسية الأممية في اليمن أزمة جوهرية، تضع مصداقيتها على المحك، إذ إن استراتيجيتها القائمة على إدارة الصراع، لا حله، عبر تثبيت الأمر الواقع، كيفما كان، وفرضه على اليمنيين، لم تعد مجدية، إذ يفرض استمرار الحرب في اليمن للعام الخامس أن تكون الدبلوماسية الأممية أكثر مسؤوليةً في التعاطي مع استنقاع الحالة اليمنية؛ كما تفرض استحقاقات اتفاق استوكهولم على الأطراف اليمنية إجراءاتٍ أكثر شفافيةً وحزماً من قبل الأمم المتحدة، إلا أن الأخيرة، مستفيدةً من انتهازية الأطراف اليمنية وحلفائها الإقليميين، تمضي في مهمتها لتمييع الأزمة اليمنية، وضمان استمرار الصراع سنوات أخرى، فإضافة إلى انشغالها بقضايا ثانوية، لا تؤدي إلى إنهاء الحرب، وإنما تشيع انتصارات وهمية وضخ أموال لذلك، وبالطبع على حساب جوع اليمنيين، كإدارة مؤتمر لصانعات السلام، وغيرها من المؤتمرات، فإن الأسوأ من تلك العبثية التي لا زالت تحكم أداء الأمم المتحدة في اليمن تحايلها على ما يحدث على الأرض، إذ أخلّت بشروط الدبلوماسية المتعارف عليها، وسيطا لتقريب وجهات النظر، وهو ما أدى إلى تكريس مزيد من أزمة الثقة بين الفرقاء اليمنيين، إذ جعلت الأمم المتحدة من نفسها قوة سياسية عليا، تدير الأزمة اليمنية وتوجّهها بمقتضى أجنداتها في اليمن، وتجاوزت أخيرا أخلاقيات العمل الدبلوماسي، وقفزت على توافق أطراف الصراع اليمنية. 
منذ توليه منصب المبعوث الأممي إلى اليمن، حظي مارتن غريفيث، بريطاني الجنسية، بدعم سياسي غير محدود من القوى الدولية المؤثرة في اليمن، على عكس المبعوثين السابقين، إلا أن ذلك، كما يبدو، لم يصب في صالح تفعيل المسار السياسي. وإذ كانت الأطراف اليمنية وحلفاؤها تتحمل مسؤولية عرقلة ذلك، بهدف استمرار الحرب، فإن المبعوث الأممي يتحمل  
"قد تقبل السلطة الشرعية أي تسويةٍ سياسيةٍ مستقبلاً، يفرضها حليفها السعودي، ما يعني تأطير الحرب" أيضاً مسؤولية ذلك، فمن خلال أداء غريفيث، وإحاطته أخيرا لمجلس الأمن، يبدو أنه يمضي في طريق المبعوث الأسبق، جمال بن عمر، وذلك بمحاولة شرعنة الممكن الذي يفرضه الطرف القوي، إذ يدل موقف غريفيث من تطورات "اتفاق الحديدة" أخيرا على أنه قد تجاوز كل الخطوط الحمراء، وسيطا لا بد أن يكون محايداً في تقييم تنفيذ الاتفاق، ففي إحاطته أخيرا لمجلس الأمن الدولي في 15 مايو/ أيار الماضي، هلّل غريفيث لانسحاب مقاتلي جماعة الحوثي من رأس عيسى والصليف وميناء الحديدة، معتبراً ذلك بداية لتنفيذ المرحلة الأولى من اتفاق الحديدة، وأن ذلك سيمكّن الأمم المتحدة من دعم مؤسسة موانئ البحر الأحمر اليمنية في إدارة الموانئ وتفتيشها، كما تطرّق إلى لقاءات ممثلي الأطراف اليمنية لمعالجة الجوانب الاقتصادية لاتفاق الحديدة، بما يؤدي إلى دفع مرتبات الموظفين من إيرادات الموانئ. 
ربما لا ضير من الحماسة إن كانت لا تنطوي على سوء نية، وعدم تأويل المواقف بهدف الاحتيال على الحقائق، إلا أن حماسة المبعوث الأممي، وهو يعلن تنفيذ اتفاق الحديدة، ذهبت بعيداً، إذ أشاعت نوعا من الوهم بخصوص مسار الحل السياسي الذي قطعته الأطراف اليمنية، وهو ما يعني أن هذه المغالطات الخطيرة لا تخدم فرص تثبيت الحلول السياسية، حتى وإن كانت جزئية، وإنما تقوّضها؛ فمن جهة، ثمّن غريفيث انسحاب مقاتلي الحوثي من موانئ الحديدة، إلا أنه لم يتطرّق إلى أنه انتشار من طرفٍ واحد، وأنه كان يستلزم على المبعوث قبل ذلك، بوصفه وسيطا، إقران إجراء الحوثي بإعادة انتشار القوات التابع للشرعية والقوات الأخرى من المناطق القريبة من ميناء الحديدة، أو على الأقل إبلاغهم بانسحاب مقاتلي الحوثي من الموانئ، كونهم طرفا في هذه الحرب. ومن جهة ثانية، لم يقارب المبعوث الأممي الإطار العام الذي تجري فيه الحرب في اليمن، إذ تجاهل السياقات العسكرية والسياسية التي فرضت على جماعة الحوثي إعادة الانتشار من موانئ الحديدة، إذ إن هذا الإجراء ارتبط بالتطورات الإقليمية والدولية في منطقة الخليج، وتصاعد الصراع بين كلٍّ من الولايات المتحدة والسعودية والإمارات مع إيران، وزيادة أميركا قواتها وجنودها في منطقة الخليج، ومن ثم فإن انسحاب مقاتلي الحوثي لم يكن تعبيراً عن حسن نية الجماعة، أو التزاماً منها باتفاق الحديدة، وإنما لتخفيف الضغط على حليفها الإيراني، مقابل تكثيف صواريخها الباليستية على السعودية، كما استمرت جماعة الحوثي في عملياتها العسكرية في مختلف الجبهات اليمنية. 
أشار غريفيث، في الإحاطة نفسها، إلى تثبيت وقف إطلاق النار في مدينة الحديدة، فيما يتناقض ذلك مع الواقع الذي يؤكّد تجدد المواجهات في أطراف المدينة، كما فشل ممثلو الأطراف اليمنية في اجتماع عمّان، إذ لم يتفقوا على كيفية إدارة ايرادات موانئ الحديدة في المستقبل، ومن ثم "استمرت جماعة الحوثي في عملياتها العسكرية في مختلف الجبهات اليمنية" ستظل مسألة الإيرادات موضعا للتجاذب بين الأطراف اليمنية، ما يعني استمرار أزمة رواتب موظفي الدولة في المناطق الخاضعة لجماعة الحوثي. والأمر الآخر، الأكثر أهمية، أن المبعوث الأممي تحدث باقتضابٍ عن إدارة موانئ البحر الأحمر، المرافئ اليمنية بعد انسحاب المقاتلين، إلا أنه لم يفصح عن حقيقة أن ذلك يعني في النهاية إدارة جماعة الحوثي هذه المرافئ، لأن هيئة الموانئ، بتركيبتها الحالية، تمثل جماعة الحوثي. 
اعتساف المبعوث الأممي كيفية تنفيذ المرحلة الأولى من اتفاق الحديدة، وتجاهله السلطات التي ستدير الموانئ بعد ذلك، قد تفضحان كثيراً من تحيزاته السياسية، ويعكسان الوظيفة الحقيقية للأمم المتحدة حاليا، التي تخلت عن مهامها التقليدية بوصفها قوة دولية ناعمة تيسر فض النزاعات سلمياً بين المتقاتلين، وتحمي حقوق الشعوب، وأصبحت تمثل مصالح القوى الدولية المموّلة لجهازها الضخم، إذ تفرض إرادة هذه القوى في بلدان الصراعات، مقابل شرعنة قانون الغلبة على الأرض، حتى لو كان ضد مصالح الشعوب، وربما يمثل موقف الأمم المتحدة ومبعوثها إلى ليبيا، غسان سلامة، من الصراع في العاصمة طرابس، خير مثال على الوجه الجديد للأمم المتحدة، فقد نحت مواقفها إلى تثبيت حالة من توازن الرعب في ليبيا، وهو ما يحدث منذ بدء الحرب في اليمن، فيما تكشف تهنئة السفير البريطاني في اليمن، مايكل آرون، لانسحاب مقاتلي الحوثي من موانئ الحديدة عن رأس الجبل العائم للأجندة البريطانية المستقبلية في موانئ مدينة الحديدة والبحر الأحمر. 
وقد دفعت إحاطة مارتن غريفيث أخيرا السلطة الشرعية لتصعيد خطابها السياسي، إذ طالبت الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس باستبدال المبعوث الخاص، معتبرة إياه شخصا غير محايد. وعلى الرغم من أنه من المبكر التكهن بما إذا كان ذلك سوف يؤدي إلى إزاحته  
"العبثية لا زالت تحكم أداء الأمم المتحدة في اليمن" من منصبه في المستقبل أم لا، يبدو أن الأمم المتحدة لن تحرص على تنفيذ مطالب السلطة الشرعية، وذلك ليس فقط لفساد الأخيرة وفشلها في إدارة المناطق المحرّرة، وإنما لأنها في غاياتها لا تتقاطع مع مصالح الأمم المتحدة، إذ قد تقبل أي تسويةٍ سياسيةٍ مستقبلاً، يفرضها حليفها السعودي، ما يعني تأطير الحرب في اليمن، وهو ما سيؤدي إلى خفض مستوى تمثيل الأمم المتحدة في اليمن، على عكس جماعة الحوثي، فهي كقوة محلية، مليشياوية، لا تلتزم بأي اتفاقاتٍ دوليةٍ أو محلية، تعزّز من خلال أدائها استمرار الحرب في اليمن، بما في ذلك التدخل السعودي - الإماراتي، إضافة إلى إقلاق السعودية والقوى الإقليمية والدولية المتحالفة معها، وهو ما يصبّ في صالح الأمم المتحدة ومبعوثيها وموظفيها، إذ إنه في النهاية سيضمن للأمم المتحدة ضخ مزيد من الأموال لخزينتها، وهو الغاية من تأبيد مأساة بلدان الحروب والنزاعات.

في الأحد 02 يونيو-حزيران 2019 02:04:23 ص

تجد هذا المقال في صوت سبأ
http://sautsaba.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://sautsaba.net/articles.php?id=654